حَلّنا نِفهَم
فادي عبود
Friday, 13-Mar-2026 06:03

حان الوقت لأن نفهم أنّ الوجود اللبناني بخطر، وأنّ الحلول السياسية لا تكفي إذا كان الاقتصاد منهاراً. والاقتصاد منهار أساساً بسبب السرقات التي حدثت عبر العقود السابقة. في هذا المقال سنعالج خصوصاً الموضوع الاقتصادي.

أولاً، آن الأوان لنفهم أنّ الفساد المتغلغل في مؤسساتنا لا يمكن محاربته من دون الشفافية المطلقة التي تحدّثنا عنها مراراً. لذلك نطالب المسؤولين بإقرار قانون الشفافية المطلقة فوراً، لأنّ هذا القانون هو الخطوة الأولى والضرورية لمحاربة الفساد وإعادة بناء الثقة بالدولة.

 

ثانياً، يجب أن نعرف ما الذي حصل ليصل البلد إلى كل هذا الخراب. ليس فقط احتُجزت أموال الناس، إنما نُهبت أيضاً صناديق التعويضات وغيرها. يجب أن نفهم أنّه من دون فتح دفاتر المصارف ومصرف لبنان لا يمكن أن يبدأ تعافي الاقتصاد.

 

ومهما تبين من حقائق، إلّا أنّه من الحماقة أن يعتقد أحد أنّ أحداً سيثق مجدّداً بالمصارف الحالية التي احتجزت الأموال لأكثر من 6 سنوات. لذلك يجب فوراً فتح الباب لإنشاء مصارف جديدة، والناس تعرف بمَن تثق وبمَن لا تثق. وكي لا يُقال إنّ الطاقم القديم سيفتح مصارف بأسماء جديدة، الناس ستعرف جيداً مَن يقف خلف كل مصرف.

 

ثالثاً، لخلق فُرَص إنتاج، يجب إعادة الأموال لأصحاب الودائع الصغيرة والكبيرة (التي تحرّك الاقتصاد وتخلق مشاريع منتجة)، ويجب أن نضع قوانين تشجّع لبنانيّي الخارج على الاستثمار في لبنان، وأن نلغي القوانين التي تُهرّب المستثمرين في الداخل والخارج. كما يجب تشجيع المشاريع الجديدة والإنتاجية، وليس الاستمرار في فرض ضرائب تُهرِّب الجميع وتقتل أي مبادرة اقتصادية. وقد رأينا في العالم كيف أنّ الضرائب المتزايدة تؤدّي إلى تباطؤ النمو وهروب الرساميل.

نكرّر، أنّه لا يوجد أي بلد في العالم يستطيع أن يصرف أكثر ممّا يُنتِج. أي اقتصاد يقوم على هذا المنطق سينتهي بطريقة بشعة، وينهار.

 

وإذا تبيّن أنّ الأموال التي يجب أن تعيدها المصارف ليست كافية، إذاً يجب بيع ما يلزم من أراضي الدولة، وخصوصاً تلك الموجودة بيد الدولة مضرّ، وكذلك بيع الذهب، لكنّ كل ذلك يجب أن يتمّ ضمن شروط الشفافية المطلقة وللبنانيِّين فقط. أمّا الذين يقولون إنّ هذه الأصول يجب أن تُحفَظ للمستقبل ولأجيال المستقبل، فنقول لهم: إذا لم نعالج الوضع الاقتصادي الآن، فلن يبقى مستقبل لأحد.

 

تنمية الاقتصاد اللبناني باتت مطلباً وجودياً. اليوم يعتمد عدد من اللبنانيِّين في معيشتهم على بلدان أخرى، وبالتالي يصبح ولاؤهم الاقتصادي لتلك البلدان. ما نريده هو أن يعيش اللبنانيّون بكرامة في بلدهم، وأن يكون لديهم اقتصاد قوي يخلق الانتاج ويُعيد الثقة. وهذا ليس أمراً مستحيلاً، بل يمكن تحقيقه إذا وضعنا جهدنا في بناء اقتصاد منتج، واقتنعنا أخيراً أنّ السرقة ليست شطارة.

 

سنغافورة (Singapore) دولة صغيرة كانت لا تملك شيئاً تقريباً عند استقلالها، وهي لا تتجاوز عشر مساحة لبنان، ولم تكن تملك الموارد أو المقوّمات التي يملكها لبنان من موقع جغرافي وطاقات بشرية وقطاع خدمات. ومع ذلك، بفضل الإدارة الرشيدة والشفافية والانفتاح الاقتصادي، تحوّلت سنغافورة إلى واحدة من أغنى دول العالم، ما يثبت أنّ الثروة الحقيقية لا تصنعها الموارد فقط بل حسن الإدارة والرؤية الواضحة.

 

ولدينا أيضاً مشاكل كبيرة أخرى، ومنها التعليم بسبب قوانين حمقاء، وسنعود إلى هذه المشاكل في مقالات لاحقة.

الأكثر قراءة